الشيخ محمد الخضري بك
100
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا . فقال سعد بن معاذ سيد الأوس : كأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ فقال أجل ، فقال سعد : قد امنا بك وصدّقناك ، وأعطيناك عهودنا ، فامض لما أمرك اللّه ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك ، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعلّ اللّه يريك منا ما تقرّ به عينك فسر على بركة اللّه ، فأشرق وجهه عليه الصلاة والسلام وسرّ بذلك وقال كما في رواية البخاري « ( أبشروا واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) » فعلم القوم من هذه الجملة أنّ الحرب لا بدّ حاصلة وحقيقة حصلت ، فإنّ أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة ، وسار متبعا ساحل البحر فنجا ، وأرسل إلى قريش يعلمهم بذلك ، ويشير عليهم بالرجوع ، فقال أبو جهل : لا نرجع حتى نحضر بدرا « 1 » فنقيم فيه ثلاثا ننحر الجزر « 2 » ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا . فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة وكان حليفا لهم : ارجعوا يا قوم فقد نجّى اللّه أموالكم ، فرجعوا ، ولم يشهد بدرا زهري ولا عدوي ، ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى « 3 » عن المدينة في أرض سهلة لينة أما جيش المسلمين ، فإنّه لمّا قارب بدرا أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار « 4 » فصادفا سقاة لقريش فيهم غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين ، فأتيا بهما والرسول عليه الصلاة والسلام قائم يصلي ، ثم سألاهما عن أنفسهما فقالا : نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء ، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان ، فقال الغلامان : نحن لأبي سفيان فتركاهما . ولما أتمّ الرسول عليه الصلاة والسلام صلاته قال : إذا صدقاكم ضربتموهما . وإذا كذباكم تركتموهما ؟ ! صدقا « 5 » . واللّه إنهما لقريش . ثم قال لهما : أخبراني عن قريش ؟
--> ( 1 ) محل بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها على الطريق السلطاني ، وكان به سوق تعقد كل سنة ثمانية أيام ( المؤلف ) . ( 2 ) الجزر : ما يذبح من الشاة واحدتها جزرة . والعبارة في سيرة ابن هشام ننحر الجزور . ( 3 ) عدوة الوادي : شاطئه ( المؤلف ) . ( 4 ) وزاد ابن إسحاق سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه كما حدثه يزيد ابن رومان عن عروة بن الزبير . ( 5 ) اسمهما : أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار .